حيدر خليل خلف هلسا
هذا البحثُ عن تاريخنا المنسي محاولةٌ لتتبُّع انتشار المسيحيَّة بين العرب منذ منتصف القرن الأوّل الميلادي حتى اليوم. ويهدف أن يلقي بعضَ الضوء على حجم المسيحيَّة بين العرب وتأثيرها الحضاري. وهو في الأساس بحثٌ تاريخيٌّ وليس عقائديًّا. لذلك يُقصد بِمُصطلح “المسيحيَّة”، كلّ ما له علاقة بالمسيحيَّة كدين أو إيمان، أو ادَّعى ذلك، سواء كان مصنَّفًا مسيحيَّة مستقيمة أو هرطقة. وبما أنّ المصادر العربيَّة الإسلاميَّة تُشير إلى المسيحيَّة بمصطلح واسع فضفاض هو: “النصرانيَّة” و”النصارى”، فحين ترِدُ مصطلحاتٌ كهذه في هذا البحث يُقصد بها مصطلحَي “المسيحيَّة” و”المسيحيّين” بعينهما على وجه التعميم. وعلى الرّغم من أنَّ هناك كُتَّابًا ميّزوا بين مسيحيَّة ونصرانيَّة، فذلك ليس من شأن هذا الكتاب. فمصطلحا “النصرانيّة” و”النصارى” اللذان استخدمهما الإخباريّون العرب لا يُميِّزان بين مسيحيَّة هرطوقيَّة وأُخرى مستقيمة. لكن هناك قلّةٌ من الإخباريِّين العرب أشاروا إلى نوعَين من المسيحيَّة: واحدة أسمَوها المسيحيَّة الأولى أو القديمة، وقصدوا بها مسيحيَّة ترفض التثليث، وأشادوا بها، واعتبروها غير محرّفة، ومسيحيَّة أُخرى اعتبروها جديدة ومُحرّفة، وقصدوا بها المسيحيَّة التي تؤمن بعقيدة التثليث.
يشمل البحثُ المسيحيّين الذين اعتنقوا المسيحيَّة في جزيرة العرب، ودول مسيحيَّة قامت في جزيرة العرب، ومنها: دولة حمير، دولة كندة، دولة جرهم في الحجاز، دولة دومة الجندل في شمال جزيرة العرب. وأيضًا دول: الأنباط، تدمر، دولة تنوخ، سليح، الغساسنة في بلاد الشام. ثمّ المسيحيَّة في ما بين النهرين ودولها، مثل: مملكة الحيرة، ومملكة الرها في أقصى الشمال وبعض القبائل العربيَّة التي كانت فيها المسيحيَّة وشعراؤها المسيحيُّون.
شهدت منطقة البحث حضارات كثيرة عبر عصور متعاقبة، منها العصر الحجري الحديث والعصر البرونزي حتى ابتداء الممالك والمدن في جنوب الرافدين وشمال جزيرة الفرات، العراقيَّة وغرب الشام. وعند الكلام عن شمال جزيرة الفرات، فإنَّ البحث سيشمل ديار بكر وديار ربيعة ولواء الاسكندرونة بما في ذلك أنطاكية، وذلك لانتشار القبائل العربيَّة المسيحيَّة في تلك المناطق في القرون الستة الميلادية الأولى.
فقد كانت المسيحيّة منتشرة وموجودة في شرقي حوض البحر الأبيض المتوسّط، في شبه الجزيرة العربية، في بلاد ما بين النهرين وفي بلاد الشام أيضًا وكلّها قبل دخول الإسلام. أما القبائل العربية المسيحية المشهورة فهي على سبيل المثال: جُذام، غسّان، المنذر، قُضاعة، تنُّوخ، قريش، تغلِب، شيْبان، مدحج في اليمن، العُباد، كندة وغيرها. أمّا الشعراء العرب النصارى فنذكر منهم امرؤ القيس، زهير بن أبي سلمى، عبد قيس من بنو أُذينة، طرفة بن العبد (إبن أُخت جرير بن عبد المسيح) الأعشى، عنترة بن شدّاد والنابغة الذبياني. إذًا فالعلاقةُ بين العرب والمسيحيّة تاريخيّةٌ وعميقة.
لتعرف المزيد، تاريخيًّا وجغرافيًّا، ننصح بقراءة كتاب “من تاريخنا المنسيّ” لحيدر خليل خلف هلسا اليوم وليس غدًا.