في إنجيل لوقا، طلب التلاميذ من الرّبّ يسوع أن يعلّمهم أن يصلّوا. وقد سُجّلَ جوابُه المعروف في الأصحاح 11: ” أَبَانَا الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ لِيَتَقَدَّسِ اسْمُكَ لِيَأْتِ مَلَكُوتُكَ لِتَكُنْ مَشِيئَتُكَ كَمَا فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ عَلَى الأَرْضِ. خُبْزَنَا كَفَافَنَا أَعْطِنَا كُلَّ يَوْمٍ وَاغْفِرْ لَنَا خَطَايَانَا لأَنَّنَا نَحْنُ أَيْضاً نَغْفِرُ لِكُلِّ مَنْ يُذْنِبُ إِلَيْنَا وَلاَ تُدْخِلْنَا فِي تَجْرِبَةٍ لَكِنْ نَجِّنَا مِنَ الشِّرِّيرِ” (الآيات 2- 4).
الأمر غير المستغرب إنّما المثير للإعجاب هو أنّ الرّبّ يسوع مارسَ ما بشّر به. ففي لوقا 11 كان تلاميذه يصلّون كي يأتي ملكوت الله، وفي لوقا 22 صلّى يسوع قائلاً: “لِتَكُنْ لاَ إِرَادَتِي بَلْ إِرَادَتُكَ.” وعندما نتأمّل بصلاة يسوع على جبل الزيتون، يمكننا أن نكتسب حكمةً في الصلاة من خلال النظر إلى الظروف التي كانت محيطة بيسوع، والاستماع إلى كلماته، والتعلّم من طريقة تعامله مع الأمور.
انظُر إليه
يُظهر لنا المشهدُ في لوقا 22 المسيح مضطربًا. وتصوّر الأناجيل الرّبَّ يسوع باعتباره معلّمًا وصديقًا للخطاة وصانع المعجزات. وفي هذه المناسبة، اصطحب يسوع بطرس ويعقوب ويوحنا، وكانت نفسُه “حَزِينَةٌ جِدّاً حَتَّى الْمَوْتِ!” (مرقس 14: 34). يشير إنجيل لوقا في الأصحاح 22: 55 إلى أنّ هذه الليلة كانت باردة بما يكفي كي يوقد خدّامُ رئيس الكهنة النار، ومع ذلك عَرِقَ يسوع بغزارة بسبب ألمه الشديد (الآية 44). يجب أن نتأمّل بهذا المقطع من منظور جديد لأنّ المشهد حقًّا مؤثّرٌ للغاية.
تمتّع المسيح بكلّ ما هو أساسيّ لحياة الإنسان.
عند التعمّق بإنجيل لوقا، نرى أنّه يتكلّم عن طبيعة يسوع الإلهيّة والبشريّة على حدٍّ سواء. لم تَضِعْ بشريّتُه في ألوهيّته؛ فقد كانت الوظائف الفسيولوجيّة والنفسيّة تعمل عملها التامّ، وقد اختبر الرّبّ يسوع مجموعةً متنوّعةً من المشاعر الإنسانيّة. نقرأ في عبرانيين 4: 15: “مُجَرَّبٌ فِي كُلِّ شَيْءٍ مِثْلُنَا، بِلاَ خَطِيَّةٍ.”
استمع إليه
جاثيًا باضطرابٍ وتواضع، نادى الرّبُّ يسوع الله “أبانا”، مسلّطًا الضوء على الحميميّة في الصلاة الحقيقيّة. وبرغبةٍ شديدةٍ وخوفٍ شديدٍ صلّى: “يَا أَبَتَاهُ إِنْ شِئْتَ أَنْ تُجِيزَ عَنِّي هَذِهِ الْكَأْسَ. وَلَكِنْ لِتَكُنْ لاَ إِرَادَتِي بَلْ إِرَادَتُكَ” (لوقا 22: 42).
يخبرنا إنجيل لوقا أنَّ ملاكًا أُرسل من السماء ليقوّي المسيح (الآية 43)، تمامًا كما أعلن الملائكة عن ولادته ورافقوه في البريّة. وفي ألمه الشديد طلبَ أن تُبعَد عنه الكأس، وكان عرقه مثل قطرات دم (الآية 44). لكنّ الآب لم يرفع كأس الآلام عن ابنه في النهاية.
الله يعطي دائمًا الشيء الصحيح في الوقت المناسب، مهما بدا الأمرُ في منظورنا خاطئًا.
كان هناك سببٌ وجيه لرفض الآب طلب ابنه. عندما صلّى الرّبّ يسوع “لِتَكُنْ لاَ إِرَادَتِي بَلْ إِرَادَتُكَ”، قَبِلَ خطّةَ الآب متّكلًا على حكمة الله وليس على الصلاة بحدّ ذاتها. إذًا، لا يعتمد إيماننا على الصلاة بل على الآب الذي يستجيب الصلاة. والله يعطي دائمًا الشيء الصحيح في الوقت المناسب، حتى لو بدا لنا أنّه خطأ.
تعلَّم منه
ما هي الدروس التي نتعلّمها من الرّبّ في الصلاة؟ ثمّة الكثير منها وسوف نجمعها تحت ثلاث فئات.
التعلّم من شخص المسيح
نتعلّم أوّلاً من إنسانيّة المسيح الحقيقيّة. لم يكن الرّبّ يسوع منفصلاً عن المجتمع بل كان متورّطًا فيه وكان إنسانًا حقًا. وإنّ استعداده للارتباط بالبشريّة الساقطة سبّب له المتاعب مع المؤسّسة الدينيّة. وكونه الإله الأزليّ في جسد بشريّ، أصبح منبوذًا اجتماعيًّا ودينيًّا. وكان تجسّدُه يعني أن يعيش بين المجدِّفين ويكون معرّضًا للمرض والموت والحزن والفساد (يوحنا 1: 10-11).
ما مِن ظلمةٍ واجهناها لم يواجهها ربُّنا، وما مِن تجربةٍ نختبرها يجهلها المسيح.
يجب أن نقتدي بربّنا المتجسّد الذي كان مِلحًا ونورًا في العالم (متى 5: 13- 16). فكيف يمكننا معالجة القضايا الملحّة اليوم إذا بقينا منفصلين عن ثقافتنا ومجتمعنا؟ إنّ اللهجةَ المتظاهرةَ بالتقوى والعبارات الدينيّة النموذجيّة تُناسب الفريسيّ أمّا بالنسبة إلى الشخص المؤمن فهي غير مقبولة. ولكي نتعلّم حقًّا مِنَ المسيح، لا بدّ من أن ننخرط في خدمةٍ حقيقيّةٍ وسط أناسٍ حقيقيّين.
التعلّم من آلام المسيح
ثانيًا، نتعلّم الصّلاة من آلام المسيح. في لحظات الإرهاق العاطفيّ أو الضغط أو الاضطراب الداخليّ، يمكننا أن نلجأ إلى مسيحنا المتألّم ورئيس كهنتنا الذي يرثي لضعفاتنا (لوقا 22: 44؛ عبرانيين 4: 15). فهو يفهم صراعاتنا وقد واجه كلّ الظلمات والتجارب التي نكابدها. لقد اختبر كلَّ ذلك واحتمله.
يعيش كثيرون منّا في يأسٍ مخفيّ، وإذا كشفنا عن صدمتنا العاطفيّة فسيشعر المتفرّجون بالإرهاق والتعاطف في آنٍ واحد. لكن مع المسيح، ليس علينا أن نواجه التجارب وحدنا. يمكننا أن نلجأ إلى المخلِّص الذي اختبر الأسى والضيق ليخفّف عنّا حملَنا. وبفضل آلامه يمكننا أن نبتهج مع كاتب الترنيمة:
“مات عنّي وأُهين
وافتدى قلبي الحزين
بالدّم الزّكي الثمين
فاحمدي نفسي المخلّص.”
(مترجمة من اللغة الانجليزيّة، Man of Sorrows,’ What a Name)
التعلّم مِن طَلَبِ المسيح
أخيرًا، نتعلّم من الطلب الذي تقدّم به المسيح في لوقا 22: 39- 46. في طلب يسوع لإبعاد الكأس، نكتشف أنّ الله لن يمنحنا جميعَ طلباتنا. يصلّي يسوع: ” إِنْ شِئْتَ”، ويجيب الآب: “لا أشاء”. ومثل المسيح، علينا نحن أيضًا أن نُخضِعَ عواطفنا لكلمة الله ومشيئته.
في الصلاة، نُخضِع عواطفنا لكلمة الله ومشيئته.
الله بحكمته لا يستجيب طلباتنا دائمًا، ويجب أن نفرح بذلك لأنّنا غالبًا ما نخطئ في تمييز ما يصبّ في مصلحتنا ومصلحة الآخرين. فما نظنّه صالحًا لنا قد يكون ضارًّا، وما يبدو لنا سيّئًا قد يكون ضروريًّا لنموّنا الروحيّ (عبرانيين 12: 3- 11).
نتأمّل بالمسيح الذي اختبر الضيق، ونستمع إلى صرخاته المتواضعة، ونتعلّم من إنسانيّته وألمه وطلباته. وأن نصلّي مثل الرّبّ يسوع يعني أن نُخضع مشيئتنا لمشيئة الآب، مردّدين كلمات الابن: “لِتَكُنْ لاَ إِرَادَتِي بَلْ إِرَادَتُكَ”.