واحدٌ من أكبر المفاهيم الخاطئة عن العهد الجديد هو القول إنّه يحطّ من شأن المرأة. العكس هو الصحيح. تكشف نظرةُ الكتاب المقدّس الواسعة عن دورٍ محرّرٍ تؤدّيه المرأة، ابتداءً من جنّة عدن ووصولاً إلى خدمة يسوع وما بعدها.
يقدّم لنا بولس في رسالته إلى تيطس لمحةً عن مكانة المرأة، والأمّهات بشكلٍ خاصّ، في كنيسة القرن الأوّل. وفي ما يتعلّق بالنساء الأكبر سنًّا اللواتي كنّ تحت عناية تيطس الرعويّة، يكتب أنّه ينبغي لهنّ أن “يَنْصَحْنَ الْحَدَثَاتِ أَنْ يَكُنَّ مُحِبَّاتٍ لِرِجَالِهِنَّ وَيُحْبِبْنَ أَوْلاَدَهُنَّ، مُتَعَقِّلاَتٍ، عَفِيفَاتٍ، مُلاَزِمَاتٍ بُيُوتَهُنَّ، صَالِحَاتٍ، خَاضِعَاتٍ لِرِجَالِهِنَّ، لِكَيْ لاَ يُجَدَّفَ عَلَى كَلِمَةِ اللهِ” (تيطس 2: 4- 5).
إذًا، يجب علينا أن نوليَ اهتمامًا خاصًّا لأولويّات الأمومة التي يسلّط بولس الضوءَ عليها. ماذا تكشف لنا عن دور الأمّ المقدّس في ملكوت الله؟
مُحبّات لرجالهنّ وأولادهنّ
الوصيّة الأولى للأمّهات هي أن “يَكُنَّ مُحِبَّاتٍ لِرِجَالِهِنَّ وَيُحْبِبْنَ أَوْلاَدَهُنَّ”.
تخبرنا ثقافتنا دائمًا من خلال الأغاني والأفلام الشعبيّة أنّ الحبّ هو مجرّد عاطفة، لكنّ هذا التعريف مختلفٌ تمامًا عن التعريف الكتابيّ. يخبرنا الكتاب المقدّس أنّه بين الإيمان والرّجاء والمحبّة، “أَعْظَمَهُنَّ الْمَحَبَّةُ” (1كورنثوس 13: 13)، وهي تبقى عندما يزول كلُّ شيء آخر. وإن لم تكن لدينا محبّة فلسنا شيئًا (1كورنثوس 13: 2).
إذا لم تستطع الزوجةُ أن تحبَّ أسرتها كما يوصي اللهُ، فلن يعوّض أيُّ نجاحٍ مهنيٍّ ولا أيُّ منزلٍ باهظِ الثمن عن ذلك. وعلى العكس، إنّ المحبّة الإلهيّة تجعلنا نتجاوز أيّ محنة تواجهنا. لذلك ينبغي للأمّهات أن يتعمّقن في الكتاب المقدّس فيتعلّمن بشكلٍ أفضل أن يحببن كما يحبّ اللهُ.
متعقّلات وعفيفات
إلى جانب معرفة كيفيّة محبّة الزوج والأولاد، على الزوجة أن تتمتّع أيضًا بضبط النفس والطهارة.
هذه صفاتٌ يجب أن يتمتّع بها جميعُ المؤمنين، ولا سيّما أولئك الذين يشغلون منصبًا قياديًّا. وفي كلّ جانبٍ من جوانب الأمومة – مثل الوقت وتدبير المنزل ورعاية الأطفال وما إلى ذلك – يجب أن يكون هناك ضبطٌ للنفس. يجب على الأمّهات أن يسيطرن على أعصابهنّ ويحرسن قلوبهنّ في خضمّ الضغوطات التي يتعرّضنَ لها. تتطلّب جميعُ هذه الأمور ضبطَ النفس، وهو مفتاح السلامة الروحيّة.
على الأمّهات أيضًا أن يُحافظن على طهارتهنّ في وسط جيلٍ فاسدٍ. يجب أن يكون لديهنّ ولاءٌ فائق لأزواجهنّ وأولادهنّ ينبع من التزامهنّ بعلاقتهنّ بالرّبّ.
ملازمات بيوتهنّ وصالحات
تخبرنا رسالة بولس أيضًا عن أولويّات الانشغال بالبيت والمحافظة على اللطف. تودّ ثقافتنا أن تلغيَ دورَ المرأة الأساسيّ في الحفاظ على بَيتٍ يتميّز بالتقوى. لكنّ قوّة مجتمعاتنا تنبع إلى حدٍّ كبير من سلامة بيوتنا الفرديّة، التي منها يخرج أولادنا ليصنعوا الجيلَ القادم. إنَّ القيام بكلّ ما هو ضروريّ في المنزل سيبقي أيَّة أمّ مشغولة. لذا، حاشا أن نصدّقَ أو نروّجَ أكذوبةَ أنَّ الانشغال بالأمور المنزليّة أو العائليّة هو أمرٌ أقلّ أهميّة من مساعٍ أخرى.
خاضعاتٍ لرجالهنّ
لا يمكننا أن نعيش كما يريد الله من دون أن نطبّق هذا المبدأ بإخلاص. عندما تفشل الزوجات في هذا المجال، يأتي تأثير الدومينو ليطال كلَّ جانبٍ آخر من جوانب المنزل سلبًا. هذا ببساطة جزءٌ من ترتيب الله للأمور. بالطّبع، يجب أن نفهمَ مساواتنا أمام الله، كما هو مذكور في غلاطية 3، ولكنّ هذه المساواة لا تلغي أمرَ الله الذي بموجبه يكون الأب والزوج القائدَين الرّوحيّين في البيت، وتخضع الزوجة والأمّ لتلك القيادة.
إمكانات الأمومة الرائعة
في نهاية تيطس 2: 5، يقول بولس إنّه إذا فعلنا جميع هذه الأمور، لن يُجدّف على كلمة الله. سبب هذا بسيط: ربّما سنكون الكتابَ المقدّسَ الوحيد الذي سيقرأه الكثيرُ من الناس. فقد تكون لديهم كتبٌ مقدّسة تجمع الغبار على الرفوف، لكنّهم لا يفتحونها أبدًا.
إنّ الأشخاص منّا الذين يعيشون في خضوع لحكمة الكتاب المقدّس يجسّدون الكلمةَ لمثل هؤلاء الناس. عندما نطبّق المبادئ التي توصينا بها حكمةُ الله – بناء بيوت قويّة وتقديم أمثلة قويّة على الزواج والوالديّة – يحدث شيءٌ ما: يُدهَش النّاس. يُدهَشون لرؤية الفرق بين حياتنا وحياتهم، ويتحوّل احترامُهم لنا إلى احترامٍ لطرق الله.
ومن المؤكّد أنّ أحدَ أعظم السّبل لنشر تأثير الإنجيل هو الأمومة.
تدلّنا الأمّهات المُحبّات إلى إلهٍ مُحبّ، وهذا امتيازٌ مقدّسٌ وهبةٌ تستحقّ امتناننا وتقديرنا وصلواتنا اليوم وكلّ يوم.
هذا المقال منقول بتصرّف عن كتاب “التربية بطريقة الله” لأليستير بيغ