تعلُّم الراحة من المزامير سكوت هوبارد
ليسَتِ الحياةُ المسيحيّةُ فعلاً تعبديًّا عَرَضيًّا أو تعبيرًا عن الإيمان مِن حينٍ لآخر، بل إنّها تتطلّب مُثابرةً مستمرّةً مدى الحياة. التحدّي الحقيقيّ هو أن نبقى ثابتين على المدى الطويل ونواظب على ممارسة الأساسيّات التي تؤدّي إلى نضج إيماننا.
يُقدّم النّصفُ الثاني من عبرانيين الأصحاح 12 ستّ طُرُق مهمّة للسعي وراء النّضج المسيحي الدائم.
الحفاظ على القوّة والاستقامة
“لِذلِكَ قَوِّمُوا الأَيَادِيَ الْمُسْتَرْخِيَةَ وَالرُّكَبَ الْمُخَلَّعَةَ، وَاصْنَعُوا لأَرْجُلِكُمْ مَسَالِكَ مُسْتَقِيمَةً، لِكَيْ لاَ يَعْتَسِفَ الأَعْرَجُ، بَلْ بِالْحَرِيِّ يُشْفَى” (عبرانيين 12: 12- 13).
الكآبة هي إحدى الوسائل التي يستخدمها إبليسُ للهجوم علينا. إنّه يفرح عندما تُثبَط عزيمَتُنا، كما أنّه يستخدم ذلك ليؤثّر فينا بشكلٍ كبير، وحتّى في الأشخاص منّا المنخرطين في الخدمة. أن نخدمَ المسيح لا يعني أن نسيرَ في غفلةٍ عن حقائق الحياة. فإنَّ الحياة المسيحيّة تتطلّب كفاحًا جادًّا.
أولئك الذين يسعون إلى اتّباع المسيح يجب أن يكونوا مُستعدّين لإعلان رفضهم القاطع لإرضاء الشيطان ببقائهم مُحبَطين. فهو لا يُحِبّ شيئًا أكثرَ من أن يرى أذرعَنا واهنِةً، ورُكَبنا مُتخاذِلَةً، وطرقَنا مُنحرفةً عن مسارِ الطّاعة.
السّعي وراء التوافق والقداسة
” اِتْبَعُوا السَّلاَمَ مَعَ الْجَمِيعِ، وَالْقَدَاسَةَ الَّتِي بِدُونِهَا لَنْ يَرَى أَحَدٌ الرَّبَّ” (عبرانيين 12: 14).
إنَّ الحفاظ على السّلام يتطلّب جهدًا حقيقيًّا. لقد اشترى المسيحُ السّلامَ، وفي الواقع “هُوَ سَلاَمُنَا” (أفسس 2: 14).
الخلافُ أمرٌ لا مفَرّ منه في عالمنا المنقسم، حتّى في الكنيسة، ولكن ليس هذا سببًا يدعونا للاستسلام! يجب أن نسعى جاهدين لنكون جميعًا في تناغمٍ ونتخلّص من الأعباء والخطايا التي تعوقنا عن ذلك. لَن نُحقّقَ التوافقَ التامَّ قبل عودة المسيح، ولكن بالاعتماد على الروح القدس، يمكننا أن نختبرَ لمحةً من الانسجام القائم في جماعة المؤمنين السماويّة.
وكيف نعزّز هذا التوافق؟ القداسةُ هي بمثابة الإطار الثابت والتربة الخصبة للتوافق الذي نتمتّع به. ففيما ننمو معًا في القداسة النابعة من الروح القدس الذي يعمل فينا، سننمو أيضًا في توافُقٍ بعضُنا مع بعض ومع الله.
النموّ في النّعمة لا المرارة
“مُلاَحِظِينَ لِئَلاَّ يَخِيبَ أَحَدٌ مِنْ نِعْمَةِ اللهِ. لِئَلاَّ يَطْلُعَ أَصْلُ مَرَارَةٍ وَيَصْنَعَ انْزِعَاجًا، فَيَتَنَجَّسَ بِهِ كَثِيرُونَ” (عبرانيين 12: 15).
إنَّ العبارة “أصل المرارة” في هذه الآية مُشتقّة من سفر التثنية 29، حيث يحذر موسى الشعبَ من قلوبهم: “لِئَلاَّ يَكُونَ فِيكُمْ أَصْلٌ يُثْمِرُ عَلْقَمًا وَأَفْسَنْتِينًا” (الآية 18). ويكرّر يعقوب هذا التحذير بالوصية التالية: “وَلكِنْ كُونُوا عَامِلِينَ بِالْكَلِمَةِ، لاَ سَامِعِينَ فَقَطْ خَادِعِينَ نُفُوسَكُمْ” (يعقوب 1: 22). عندما نسمع لكن من دون أن نصغيَ حقًّا، قد نتبنّى كلَّ علامات المسيحيّة الظاهرة بينما تبقى الدنيويّةُ متجذّرةً في قلوبنا. يجب أن ندع نعمة الله تملأ قلوبنا فنكونَ سامعين وعاملين بكلمة الله.
رفض الفجور
” مُلاَحِظِينَ… لِئَلاَّ يَكُونَ أَحَدٌ زَانِيًا أَوْ مُسْتَبِيحًا كَعِيسُو، الَّذِي لأَجْلِ أَكْلَةٍ وَاحِدَةٍ بَاعَ بَكُورِيَّتَهُ. فَإِنَّكُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّهُ أَيْضًا بَعْدَ ذلِكَ، لَمَّا أَرَادَ أَنْ يَرِثَ الْبَرَكَةَ رُفِضَ، إِذْ لَمْ يَجِدْ لِلتَّوْبَةِ مَكَانًا، مَعَ أَنَّهُ طَلَبَهَا بِدُمُوعٍ” (عبرانيين 12: 15- 17).
عاش السامعون الأصليّون للعبرانيين في مجتمع تسوده الوثنيّة، وربما لا يختلف هذا كثيرًا عن مجتمعنا حيث يفوق الفجورُ الجنسيُّ الحَياءَ في كلِّ مكان تقريبًا. وفي مثل هذه البيئة المشحونة جنسيًّا، من الضروري أن نبيّن، بصفتنا شعبَ الله، أنَّنا مخصّصون لله ومنفصلون عن الخطيّة.
تُعَدُّ قصّةُ عيسو بمثابة مَثَلٍ عن نَهَمٍ جَسديٍّ ضخمٍ. ففي لحظة انفعال، فضّل شيئًا رخيصًا على ميراثه وبيته. ومثله، يمكنك أن تبنيَ حياتكَ طوالَ عقودٍ من الزّمن، ثمَّ تتخلّى عنها بخمس دقائق في نوبةٍ من الشهوة العارِمَة أو الغضب أو الكبرياء أو الجشع. يجب ألّا نبيع أنفسَنا للخطيّة. فالمقايضةُ لا تستحقُّ العَناء أبدًا، مهما كانت الإغراءاتُ كبيرةً في تلك اللحظة.
الاستماع إلى الله
“اُنْظُرُوا أَنْ لاَ تَسْتَعْفُوا مِنَ الْمُتَكَلِّمِ. لأَنَّهُ إِنْ كَانَ أُولئِكَ لَمْ يَنْجُوا إِذِ اسْتَعْفَوْا مِنَ الْمُتَكَلِّمِ عَلَى الأَرْضِ، فَبِالأَوْلَى جِدًّا لاَ نَنْجُو نَحْنُ الْمُرْتَدِّينَ عَنِ الَّذِي مِنَ السَّمَاءِ!” (عبرانيين 12: 25).
لقد أرسل الله مرارًا وتكرارًا أنبياء ليحذّروا شعبه، وفي كثير من الأحيان، رفض الشعبُ الاستماعَ. وفي النهاية، أدّى جهلُهم المتعمّد إلى السَّبي. فإذا كان الله قد فعلَ ذلك مع الناس الذين رفضوا أنبياءه الأرضيّين، فبالتأكيد يجب أن نفكّرَ مرّتين قبل أن نرفضَ كلمةَ ابنِه. يجب أن نستمعَ دائمًا إلى ما يقوله الله ونضعَه موضعَ التنفيذ.
عبادة الله بتقوى
“لِذلِكَ وَنَحْنُ قَابِلُونَ مَلَكُوتًا لاَ يَتَزَعْزَعُ لِيَكُنْ عِنْدَنَا شُكْرٌ بِهِ نَخْدِمُ اللهَ خِدْمَةً مَرْضِيَّةً، بِخُشُوعٍ وَتَقْوَى. لأَنَّ «إِلهَنَا نَارٌ آكِلَةٌ” (عبرانيين: 12: 28- 29).
العنصر الأخير في عبرانيين 12 هو أن نعبد الله عبادةً مقبولةً ولائقةً، “بخشوع وتقوى”. يجب أن نضع جانبًا الخلافات السطحيّة والتافهة حول أسلوب العبادة لكي نتمكّن من أن نختبرَ معًا مجدَ الله ونُحَدِّثَ به. يجب أن تكون حياتنا ”ذَبِيحَةً حَيَّةً مُقَدَّسَةً مَرْضِيَّةً عِنْدَ اللهِ، عِبَادَتَكُمُ الْعَقْلِيَّة” (رومية 12: 1). إلهُنا “نَارٌ آكِلَةٌ” (تثنية 4: 24)، ويستحقّ أن نكرّسَ له حياتَنا كلَّها.
أن نقدّم ذواتنا لله ونمارس هذه العناصر الستّة الأساسيّة ليسَ مسؤوليةً يجب أن نقوم بها على مضض، بل امتيازًا ومَسرّةً لنا لأن نعيشَ كما يريد منّا الله. وكلُّ من يعترف بالمسيح ربًّا على حياتِهِ يرى نفسَهُ جزءًا من خطّة الله الرئيسيّة. وعندما نسعى إلى الطاعة، يستخدمنا الله في مواصلة كتابة قصّته وجذب الآخرين إلى ملكوته.
هل هذه الأساسيّاتُ هي واجبٌ علينا؟ بالتأكيد، لكنّها أيضًا مَسرّتُنا فيما نعيشُ لإظهارِ عظمةِ المسيح.
(هذا المقال مقتبسٌ من عِظة أليستير بيغ، “أساسيّات النضج المسيحي”.)